سيد قطب
2606
في ظلال القرآن
كما رجع السياق القهقرى في التاريخ من قصة موسى إلى قصة إبراهيم ، كذلك يرجع القهقرى من قصة إبراهيم إلى قصة نوح . إن الخط التاريخي ليس هو المقصود هنا ، بل المقصود هو العبرة من نهاية الشرك والتكذيب وقصة نوح ، كقصة موسى وقصة إبراهيم ، تعرض في سور شتى من القرآن . وقد عرضت من قبل في سورة « الأعراف » في الخط التاريخي للرسل والرسالات بعد هبوط آدم من الجنة عرضا مختصرا ، يتلخص في دعوته قومه إلى التوحيد ، وإنذارهم عذاب يوم عظيم ، واتهام قومه له بالضلال ، وعجبهم من أن يبعث اللّه إليهم رجلا منهم ، وتكذيبهم له . ومن ثم إغراقهم ونجاته هو ومن معه بدون تفصيل . وعرضت في سورة يونس باختصار كذلك في نهاية رسالته ، إذ تحدى قومه فكذبوه . . ثم كانت نجاته ومن معه في الفلك ، وإغراق الآخرين . وعرضت في سورة « هود » بتفصيل في قصة الطوفان والفلك وما بعد الطوفان كذلك من دعائه لربه في أمر ابنه الذي أغرق مع المغرقين . وما كان بينه وبين قومه قبل ذلك من جدال حول عقيدة التوحيد . وعرضت في سورة « المؤمنون » فذكر منها دعوته لقومه إلى عبادة اللّه الواحد ، واعتراضهم عليه بأنه بشر منهم يريد أن يتفضل عليهم ؛ ولو شاء اللّه لأنزل ملائكة ، واتهامه بالجنون . ثم توجهه إلى ربه يطلب نصرته . وإشارة سريعة إلى الفلك والطوفان . وهي تعرض في الغالب في سلسلة مع قصص عاد وثمود وقوم لوط وأهل مدين - وكذلك هي في هذه السورة - وأظهر ما في الحلقة المعروضة هنا دعوته لقومه إلى تقوى اللّه ، وإعلانه أنه لا يطلب منهم أجرا على الهدى ، وإباؤه أن يطرد المؤمنين الفقراء الذين يستنكف منهم الكبراء - وهذا ما كان يواجهه رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - في مكة سواء بسواء - ثم دعاؤه لربه أن يفتح بينه وبين قومه . واستجابة اللّه له بإغراق المكذبين وتنجية المؤمنين . « كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ » . . تلك هي النهاية . نهاية القصة . يبدأ بها لإبرازها منذ البداية . ثم يأخذ في التفصيل .